يزور الرئيس الصيني شي جين بينج مصر للمرة الأولى منذ عقد، في وقت تسعى فيه القاهرة إلى تعميق علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع بكين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقتها الممتدة منذ عقود مع واشنطن.

 

ويستعرض أسعد صديقي في هذا التقرير أسباب أهمية الزيارة وتداعياتها على العلاقات المصرية الصينية وموقع القاهرة بين القوتين العالميتين.
المصدر: الجزيرة، عن أسعد صديقي، 2 سبتمبر 2026.


وتأتي الزيارة في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما خلفته من اضطرابات في حركة التجارة العالمية، الأمر الذي دفع حلفاء واشنطن في المنطقة إلى إعادة تقييم علاقاتهم الاستراتيجية. وأعلنت باكستان والسعودية وتركيا مؤخرًا «اتفاق مكة للردع المشترك»، وهو اتفاق للدفاع المتبادل.


ويأتي السعي إلى تعزيز العلاقات مع بكين في إطار ما وصفه الرئيس عبد الفتاح السيسي بـ«السياسة الخارجية المستقلة» للقاهرة.


وبالنسبة إلى الصين، توفر مصر موطئ قدم مهمًا في الشرق الأوسط، بفضل اقتصادها الكبير وسيطرتها على قناة السويس ونفوذها الدبلوماسي في العالم العربي وأفريقيا.


ما أهداف زيارة شي جين بينج إلى مصر؟


بدأت زيارة شي التي تستغرق ثلاثة أيام مساء الثلاثاء، وتشمل محادثات مع السيسي يتوقع أن تركز على الصراع الإقليمي وتداعياته على أمن التجارة البحرية، إلى جانب توسيع الاستثمارات الصينية في مصر.


ويتوقع أن يوقع البلدان اتفاقيات اقتصادية تشمل مجالات الذكاء الاصطناعي والنقل والتصنيع.


وتتزامن الزيارة مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين. وأفادت وسائل الإعلام الحكومية المصرية بأن شي دعا البلدين إلى «توسيع نطاق التعاون العملي»، فيما أشاد السيسي بالاستثمارات الصينية في مصر، وجدد دعم القاهرة لموقف بكين بشأن تايوان، الجزيرة التي تعتبرها الصين جزءًا من أراضيها.


وتزداد أهمية التعاون العسكري في العلاقات بين البلدين.


ففي أغسطس، أجرت مصر والصين تدريبات جوية مشتركة شاركت فيها مقاتلات صينية من طراز «J-16» وطائرات «رافال» الفرنسية الصنع التابعة للقوات الجوية المصرية. وكانت تلك المرة الأولى التي تشارك فيها مقاتلات «J-16» في تدريب قتالي إلى جانب طائرات «رافال».


لماذا تثير الزيارة اهتمام واشنطن؟


تسلط زيارة شي الضوء على مساعي بكين إلى توسيع نفوذها في منطقة ظلت الولايات المتحدة القوة العسكرية المهيمنة فيها لعقود.


وتعد مصر حليفًا رئيسيًا لواشنطن في الشرق الأوسط، كما تأتي في المرتبة الثانية بين أكبر متلقي المساعدات العسكرية الأمريكية.


ويرى خبراء أن الاجتماع يأتي في ظل اضطراب جيوسياسي كبير، مع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والاضطرابات التي يشهدها البحر الأحمر بسبب استهداف الحوثيين المدعومين من إيران سفنًا مرتبطة بالسعودية، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة النظام الإقليمي القائم بقيادة الولايات المتحدة على الاستمرار.


وقال روب جايست بينفولد، المحاضر في الأمن الدولي في كلية كينجز لندن، للجزيرة إن «الصين تحاول ترسيخ موقعها باعتبارها فاعلًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا يزداد أهمية في هذه البيئة، خصوصًا باعتبارها قوة موازنة للولايات المتحدة، وفاعلًا إقليميًا أكثر مسؤولية وأقل تدخلًا».


ويبلغ عدد سكان مصر نحو 110 ملايين نسمة، ما يجعلها سوقًا مهمة للسلع والاستثمارات الصينية. كما تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى بكين بسبب سيطرتها على قناة السويس، بحسب بينفولد، الذي أضاف أن أهمية الممر الملاحي ازدادت مع الاضطرابات التي أصابت حركة الشحن في مضيقي باب المندب وهرمز الحيويين.


وأغلقت إيران فعليًا مضيق هرمز خلال الأشهر الستة الماضية ردًا على الضربات الأمريكية الإسرائيلية. وقبل اندلاع الحرب، كانت أكثر من خمس واردات النفط والمنتجات البترولية عالميًا تمر عبر المضيق، الذي يمثل الطريق البحري الوحيد المتاح أمام منتجي الخليج للوصول إلى المحيط المفتوح.


وتوفر الصين لمصر فرصًا لتطوير الاستثمارات والبنية التحتية والتكنولوجيا، كما توسعت العلاقات الثنائية لتشمل مجالات بينها الدفاع والذكاء الاصطناعي.


لكن بينفولد حذر من تفسير تنامي العلاقات المصرية الصينية باعتباره تحولًا مصريًا كاملًا بعيدًا عن الولايات المتحدة، موضحًا أن نهج السيسي يُفهم بصورة أفضل باعتباره «تنويعًا واستقلالية استراتيجية».


وقال بينفولد: «باختصار، يحاول، كما فعلت دول الخليج خلال السنوات الأخيرة، التحوط دون إبعاد الحليف الأهم لمصر بلا شك، أو إثارة استيائه».


إلى أي مدى وصلت العلاقات المصرية الصينية؟


تعززت العلاقات بين القاهرة وبكين بصورة كبيرة منذ عام 2014، عندما زار السيسي الصين ووقع البلدان اتفاقية شراكة استراتيجية.


وتعد الصين حاليًا أكبر شريك تجاري لمصر في السلع غير البترولية، إذ اقترب حجم التجارة الثنائية من 20.7 مليار دولار بنهاية عام 2025، وفقًا لهيئة الاستعلامات المصرية.


وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى ارتفاع صادرات مصر إلى الصين بنحو 200% تقريبًا، لتصل إلى 840.8 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بينما بلغت الواردات 10.4 مليار دولار.


وضخت بكين أيضًا أكثر من 10 مليارات دولار في استثمارات داخل مصر، شملت العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة وخطًا للسكك الحديدية الكهربائية يخدم القطاع الصناعي في دلتا النيل.


واستثمرت شركات صينية كذلك في موانئ الحاويات والهيدروجين الأخضر وأنابيب الحديد والإطارات والأقمار الصناعية.


ويتركز جانب كبير من الاستثمارات الصينية في مصر بمنطقة قناة السويس ومنطقة التعاون الصينية المصرية «تيدا» في العين السخنة، وهي جزء من مبادرة «الحزام والطريق» الصينية. وتستضيف المنطقة نحو 200 شركة باستثمارات تتجاوز 3.8 مليار دولار، وفقًا لوسائل الإعلام الحكومية المصرية.


وانضمت مصر في عام 2023 إلى مجموعة «بريكس»، التي تضم دولًا من الجنوب العالمي، بينها البرازيل وروسيا والهند والصين.


وتأتي زيارة شي إلى القاهرة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتغير موازين العلاقات الدولية، بينما تحاول مصر الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن وتوسيع شراكتها مع بكين في الوقت نفسه.


ويشير مسار العلاقات الاقتصادية والعسكرية والسياسية بين القاهرة وبكين إلى أن الزيارة لا تقتصر على الاحتفاء بمرور سبعة عقود على العلاقات الدبلوماسية، وإنما تعكس أيضًا أهمية مصر بالنسبة إلى الصين، وأهمية تنويع القاهرة لشراكاتها الدولية في مرحلة تشهد اضطرابات متزايدة في الشرق الأوسط والتجارة العالمية.

 

https://www-aljazeera-com.cdn.ampproject.org/v/s/www.aljazeera.com/amp/news/2026/9/2/chinas-xi-visits-egypts-el-sisi-why-it-matters?amp_gsa=1&amp_js_v=a9&usqp=mq331AQIUAKwASCAAgM%3D#amp_tf=From%20%251%24s&aoh=17884364888331&referrer=https%3A%2F%2Fwww.google.com&ampshare=https%3A%2F%2Fwww.aljazeera.com%2Fnews%2F2026%2F9%2F2%2Fchinas-xi-visits-egypts-el-sisi-why-it-matters